ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي

46

الوشى المرقوم في حل المنظوم

الراجح أن هذا الاختيار لاقى هوى من كليهما من الملك الأفضل ومن ضياء الدين ؛ لتقارب السن بينهما ، والراجح أيضا أن الذي رشحه هو القاضي الفاضل رئيس ديوان الإنشاء في دولة صلاح الدين ، وذلك نظرا لخطورة المرحلة المقبلة في الصراع ضد الفرنج . ولضرورة أن يكون مع نائب السلطان على دمشق كاتب يكتب عنه إلى أبيه ، إذا غاب عنه ، ويعلمه بما يجرى من أمور ، وما يستجد من أحوال المسلمين تحت وطأة الحرب التي تقض مضاجع الجميع . وقد اتى هذا الاختيار والترشيح أكله وثماره ، حينما كتب ابن الأثير عن الأفضل يبشر السلطان بمقدمات النصر على الفرنج أثناء نزوله عند رأس الماء في طبرية سنة 583 ه . نضيف إلى ما سبق أن الذي طلبه من السلطان هو الملك الأفضل ، وأن تخيير السلطان له في الالتحاق بابنه من عدمه ما هو إلا تحصيل حاصل ، إذن فمن الممكن أن يكون هذا الطلب قد تم بالاتفاق بين الأفضل وبين ابن الأثير ؛ لما راه في ضياء الدين من براعة وطموح . وتقارب السن الذي خلق نوعا من المودة بينهما . تؤكد ما سبق رسالة في ديوان رسائل ضياء الدين صدرها بقوله : « كتاب كتبه السلطان الملك الأفضل نور الدين - رحمه اللّه - جوابا عن هذا الكتاب وسيره إلى ضياء الدين إلى الموصل » « 1 » . ومن خلال هذه الرسالة يتضح لنا مدى هذه المودة والصداقة التي نشأت بين شابين ، كلاهما في مقتبل عمره ، وكلاهما يسعى لتسنم ذرى المجد ، فالأول هو ابن السلطان الأكبر ، ومن المنتظر أن تئول إليه أمور السلطنة بعد وفاة أبيه ، وهو نائبه على دمشق ، وحامل لواء الحرب ضد الفرنج القادمين من أوروبا ، والصليبيين الموجودين بالشام . والثاني شاب في سورة شبابه ، ازدادت مغالبة الطموح له ، خاصة بعد أن تسلم عمله منشئا في دولة صلاح الدين ، بعد النزوح من الموصل مغاضبا زعيمها مجاهد الدين قايماز الزيني الذي لم يجد عنده مبتغاه . يقول ابن الأثير : « ففي القلب غلّة تخبو ، فيهيجها أنى سبقت ، وحاز غيرى خصل السباق ،

--> ( 1 ) رسائل ابن الأثير نشرة ناجى 2 / 196 .